ابن قيم الجوزية

197

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر اللّه بها من خطاياه » فإن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب . ولا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة ، أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب . فهي كالبحر لا يتغير بالجيف . وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث . فلأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا . فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة : نهر التوبة النصوح ، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها ، ونهر المصائب العظيمة المكفرة . فإذا أراد اللّه بعبده خيرا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة . فورد القيامة طيبا طاهرا ، فلم يحتج إلى التطهير الرابع . توبة العبد إلى اللّه محفوفة بتوبة من اللّه وتوبة العبد إلى اللّه محفوفة بتوبة من اللّه عليه قبلها . وتوبة منه بعدها . فتوبته بين توبتين من ربه ، سابقة ولاحقة . فإنه تاب عليه أولا إذنا وتوفيقا وإلهاما ، فتاب العبد . فتاب اللّه عليه ثانيا ، قبولا وإثابة . قال اللّه سبحانه وتعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 ) [ التّوبة : 117 ، 118 ] فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم ، وأنها هي التي جعلتهم تائبين . فكانت سببا مقتضيا لتوبتهم . فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب اللّه تعالى عليهم . والحكم ينتفي لانتفاء علته . ونظير هذا : هدايته لعبده قبل الاهتداء « 1 » . فيهتدي بهدايته . فتوجب له تلك الهداية هداية أخرى يثيبه اللّه بها هداية على هدايته . فإن من ثواب الهدى : الهدى بعده ، كما أن من عقوبة الضلالة : الضلالة بعدها . قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمّد : 17 ] فهداهم أولا فاهتدوا ، فزادهم هدى ثانيا . وعكسه في أهل الزيغ كقوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصّف : 5 ] فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم على زيغهم . وهذا القدر من سراسميه « الأول ، والآخر » فهو المعدّ . وهو الممدّ . ومنه السبب والمسبب . وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه ، كما قال أعرف الخلق به « وأعوذ بك منك » والعبد تواب . واللّه تواب . فتوبة العبد : رجوعه إلى سيده بعد الإباق ، وتوبة اللّه نوعان : إذن وتوفيق ، وقبول وإمداد . و « التوبة » لها مبدأ ومنتهى . فمبدؤها : الرجوع إلى اللّه بسلوك صراطه المستقيم ، الذي نصبه لعباده ، موصلا إلى رضوانه . وأمرهم بسلوكه بقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا

--> ( 1 ) فقد أعطاه ربه هداية الفطرة قال تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) فإن أحسن الاهتداء بهداية الفطرة في سمعه وبصره وفؤاده ، وشكر ربه عليها باستعمالها في إيصال المعلومات إلى فؤاده على حقيقتها التي خلقها اللّه ، فعقلها وأحسن ترتيبها والاستفادة منها . زاده اللّه هدى وزاده من نعمة التفكر والتأمل صفاء ونورا ، اهتدى به إلى الفقه في كلامه وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ .